ابن عطاء الله السكندري

64

اللطائف الإلهية في شرح مختارات من الحكم العطائية

المقصود القلب الصنوبري المادي الذي يضخ الدم في جسد الإنسان مصداقا لقول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم : « ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب » . فهذا القلب ، هو الذي يولد الطاقة الإيمانية في الإنسان بشرط أن يكون حيا وصالحا . ويتحقق ذلك بأمور منها : ذكر اللّه تعالى ، والزهد في الدنيا ، واشتغال الجوارح بطاعة اللّه تعالى ، وصحبة العلماء باللّه تعالى وبشرعه ، وهذا القلب ينطبق في حقه قوله تعالى : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ( 2 ) [ الأنفال : 2 ] . وسبب موت القلب أمور منها : الغفلة عن ذكر اللّه مصداقا لقوله تعالى : وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى ( 124 ) [ طه : 124 ] ومنها : استعمال الجوارح في معصية اللّه تعالى مصداقا لقول اللّه تعالى : كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 14 ) [ المطفّفين : 14 ] وقوله تعالى : فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ ( 10 ) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ ( 11 ) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ ( 12 ) [ البقرة : الآيات 10 - 12 ] ومنها : حب الدنيا ، قال تعالى : وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى ( 131 ) [ طه : 131 ] ومنها : الجهل بالدين ، قال تعالى : فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ [ التّوبة : 122 ] . وذكر العلماء علامات يعرف بها موت القلب ، منها : عدم حزنه على ما فاته من الطاعات ، فلا يحزن إذا ما قصر في واجباته الدينية ، ولا يكترث لذلك ، لأنه منصرف عن رضا مولاه بالدنيا ، مستغرق في جمع حطامها ظنا منه أنه مخلّد فيها ، ونسي أنها دار عبور وفناء وليست دار استقرار وخلود . ومنها : عدم الندم والحزن والمسارعة إلى التوبة إذا ما صدر منه معصية للّه تعالى ، سواء أكانت صغيرة أم كبيرة ؟ فهو غافل عن سخط اللّه تعالى وغضبه . أما القلب الحي فإنه يفرح بصدور الطاعة منه ، لأنها دليل على رضا اللّه تعالى عنه فيفرح بها ، وكذلك يحزن مسرعا تائبا إلى اللّه تعالى إذا ما فعل سيئة ، لأنه يعرف أن ذلك مما يغضب اللّه تعالى ، مصداقا لقول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم : « من سرّته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن » .